ابن أبي العز الحنفي

181

شرح العقيدة الطحاوية

فهو مقروء له متلوّ ، فإن كتبه فهو مكتوب له مرسوم . وهو حقيقة في هذه الوجوه كلها لا يصح نفيه . والمجاز يصح نفيه ، فلا يجوز أن يقال : ليس في المصحف كلام اللّه ، ولا : ما قرأ القارئ كلام اللّه ، وقد قال تعالى : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ التوبة : 6 . وهو لا يسمع كلام اللّه من اللّه ، وإنما يسمعه من مبلغه عن اللّه . والآية تدل على فساد قول من قال : إن المسموع عبارة عن كلام اللّه وليس هو كلام اللّه ، فإنه تعالى قال : حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ التوبة : 6 ، ولم يقل حتى يسمع ما هو عبارة عن كلام اللّه . والأصل الحقيقة . ومن قال : إن المكتوب في المصاحف عبارة عن كلام اللّه ، أو حكاية كلام اللّه ، وليس فيها كلام اللّه - : فقد خالف الكتاب والسنة وسلف الأمة ، وكفى بذلك ضلالا . وكلام الطحاوي رحمه اللّه يرد قول من قال : إنه معنى واحد لا يتصور سماعه منه ، وأن المسموع المنزّل المقروء والمكتوب ليس كلام اللّه ، وإنما هو عبارة عنه . فإن الطحاوي رحمه اللّه يقول : كلام اللّه منه بدا . وكذلك قال غيره من السلف ، ويقولون : منه بدا ، وإليه يعود . وإنما قالوا : منه بدا ، لأن الجهمية من المعتزلة وغيرهم كانوا يقولون إنه خلق الكلام في محل ، فبدا الكلام من ذلك المحل . فقال السلف : « منه بدا » أي هو المتكلم به ، فمنه بدا ، لا من بعض المخلوقات ، كما قال تعالى : تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ الزمر : 1 . وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي السجدة : 13 . قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ النحل : 102 . ومعنى قولهم : وإليه يعود - : يرفع من الصدور والمصاحف ، فلا يبقى في الصدور منه آية ولا في المصاحف . كما جاء ذلك في عدة آثار . وقوله بلا كيفية : أي : لا تعرف كيفية تكلمه به قولا ليس بالمجاز ، وأنزله على رسوله وحيا ، أي : أنزله إليه على لسان الملك ، فسمعه الملك جبرائيل من اللّه ، وسمعه الرسول محمد صلى اللّه عليه وسلّم من الملك ، وقرأ على الناس . قال تعالى : وَقُرْآناً فَرَقْناهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلى مُكْثٍ وَنَزَّلْناهُ تَنْزِيلًا الاسراء : 106 . وقال تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ الشعراء : 193 - 195 . وفي ذلك إثبات صفة العلو للّه تعالى .